2014-04-07

المثقفون السوريون و"الكتاب الأزرق" Syrian intellectuals and the "Blue Book"






ظلّ "كتاب الوجوه" (Facebook) السوري بلا ملامح في سنوات الحجب السلطوي الطويلة، إلى أن جرّ الشباب الثائرُ مثقفيه في  الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى صفحاته الممتدة بلا فهرس ولا مقدّمة، وكما يبدو، بلا خاتمة.

يصل هؤلاء المثقفون أخيراً، قادمين من استنكاف "وجودي"، وشتائميّة "ابستمولوجية"، تجاه جيل ظنّوا به عبر أدوات تواصله الافتراضية، التسيب، والاستقالة من الشأن العام. واسمين إياه حينها بالانغماس بالـ"جيمز"، والـ"سايبر سكس"، قبل أن يمسي لهم، بين عشيّة "الشعب يريد" وضحاها، الحسابات والصفحات ذوات العدد، في عين الفضاء المائع والمسفّ الذي كانوا ينتبذون دونه مكاناً "جيوبوليتيكياً" قصيا.

فقد منحت ما اصطلح على تسميتها بـ"شبكات الاتصال الاجتماعي" شيوخ الثقافة، وشبه السياسة، عندنا إكسير حياة موازية.

ومَن غيرُ "الفيس بوك" كان سيعينهم على "كوبي بيست" مخطوطات سيرهم النضاليّة المريرة (بلَبُوسٍ "ديجيتالي"  قشيب) والزج، من ثم، بتلك "السيفيات" في السباق المستعر لإثبات الوجود ميدانياً و"تنسيقه"، أمام جيل ألقى ألواح القراءة "الكلاسيكيّة" وكسرها منذ أمد، حسب الاستطلاعات والأرقام.

إنما، من دون أن تُضطر قامة من قامات مثقفينا (اليائسين قبلاً أو المنشقين بعداً) إلى تقديم انحناءة استعاديّة، أو مراجعة ناقدة، تقيهم، وقد كتب لهم عمر افتراضي جديد، الانزلاق في تكرار كوارث ما اجترحوه في تقمصهم الأول، في سبيلِ تغييرٍ لم تكتمل على أيديهم أركانه آنئذ.

وتجَاوُزُ المراجعةِ، والنقدِ الذاتيّ، و"فلترةِ" مسير "الحراك الأول" الناقصِ، إن صحت تسميته بذلك، سرعان ما شجّع الجيل التالي على "استنساخ" النماذج القديمة، المريضة، ذاتها.

فظهر لدينا كثير من أشباه ذلك المثقف السلطوي "المنشق"، القادر على تحديث "بوستات" بضعة أيام توقيف تعسفي، لتمسي مجلدات "ستاتوساتية" من أدب السجون، بين قوسين.

وهو الذي (على النقيض ممن أورثه عادة تضخيم السير الذاتية) لم يحدث أن خدش أحاسيسه المشذّبة، ولو على "واتس أب"، مخلب مساعد حانق في "أمن الدولة". أيام كان يستمرىء النفخ في الأشرعة الأسديّة، ومراكب الإصلاح على اليبس، و"الطوفان" القادم مجرد فيلم خيال علمي مسرف لـ"عمر أميرلاي".

على خطى مثقف سوري آخر، عتيق إلا من ميوله "الغرامشية" المحدثة، والذي خطّ مرة على "جداره" خبراً عاجلاً يستصرخ فيه مريديه "الافتراضيين" أن يفزعوا إليه بعد أن عجز عن ولوج بريده الالكتروني "الثوري". لتتوالى عليه "تعليقات" بالجملة، غاب عمن يسطرها له أن الرجل يسأل "موضوعيا" عن كيفية استعادة ذلك "الحساب" لا أكثر. لأنّ أحداً لم يعتقد فيه ذلك الجهل الفاضح بمبادئ تقنيات ما هو مفترض أن يكون "عضوياً" فيه، وإلا لاعتبرت "لايكاتهم" استهانة بمأساته.

لقد مضى على الثورة حينٌ من الدهر لم يسبق لكثير من آل الثقافة والتسيس المكرسين في سوريا أن أتحفنا خلاله بتحليل أو نقد "ديالكتيكي"، أو  قياس "أصولي"، للثورات والانتفاضات الأسبق في غير بلد عربي، أو غير عربي. 
ليستحق عليه "الإضافة" إلى "شات رووم" المقربين المنظمين، أو ينال به شرف "التحميل" على أكتاف المنتفضين المرتجلين. رؤيةٌ تحليليةٌ كنا لنستضيء بها، فتضيء لنا، أقلّه، عتمة الـ"داي أفتر" (اليوم التالي) الذي تجتهد في فقهه وكالات المخابرات الأمريكية والروسية والإيرانية اليوم.

وبدا التلعثم والتأتأة الفكريان للرموز العتيقة للمعارضة والمثاقفة واضحين للعيان منذ اللحظات الأولى. ليقفز هؤلاء القوم فجأة ودفعة واحدة أمامنا على السطر "أون لاين" كربابنة، وأحبار، عارفين لا بحال كل ما كان جرى ويجري اليوم؛ بل وبما ستؤول إليه الأمور حتماً مستقبلا. زادهم في هذا ضوضاء إنشائية بديعة "التدوين"، وأرتال من إشارات التعجب والاستفهام، وسيل لا ينقطع من الوعيد الـ"نوستراداموسي" بسوء عاقبة جماعية على الـ"التايم لاين" الخاص بالحراك الشعبي. والذي كان ينظمه شباب ضمن "غروبات" مغلقة دونهم، بل و"مشفرة" أحيانا. لا سبيل لهم إليها، بحكم الفجوة التقنية الكبيرة التي كانوا على الضفة الجرداء منها.

وأقلّ ما يقال عن طائفة "العقل القديم" هذه، أنها ولجت باب "المشاع الإبداعي" لـ"ميكانيزمات" التواصل المعاصر بالرأس الخطأ. وبعد الكتاب الأحمر، والكتاب الأخضر، ظنّ هؤلاء (بعد أن أصبحنا أخيراً "أصدقاء") أنّهم وقعوا في النهاية على اللون المنشود، فكان الكتاب الأزرق: "الفيسبوك". المروج المجّاني "الرقمي"، لرُقمهم المثاقلة إلى الأرض، عجزاً، أو تقية، أمام "النظام" الفالت.

نعم، عجزت المعارضة البائدة إلا عن إعادة استيلاد مريضة لتلفيقاتها القديمة، المضبوطة قواعدياً، نحواً وإملاء، مقابل لغة "الشارع" المتفلتة ببلاغة من سيور "التقليد". حيث فاقت "أرابيش" المحادثات عبر "سكايب" و"فايبر" بإفصاحها الثوري كل ذلك الهراء الموزون خليلياً، والذي لطالما تمترس وراءه مثقفون لم يفارقوا خطاب السلطة القمعية ذاته، فانساقوا مبكراً من دون جدل يغني وراء طروحات الأمن، والسلفيّة، والعسكرة. وعجزوا عن اجتراح لغة سياقية مختلفة، ولزموا التكرار الفج أحيانا، أو التأويلات الباطنية أحايين أخرى؛ التي تصب في النهاية غير بعيد عما يسوّقه النظام عن ذاته، باعتباره المخلّص من ربقة الطائفية، وهو الطائفي بامتياز، أو الحارس للاستقرار والأمن، وهو اللص والمجرم.

يذكر بعضنا جيدا تلك الاستدعاءات الموتورة إلى فرع مخابرات "الخطيب" في قلب دمشق خلال الأيام الثلاثة الأولى من شباط/ فبراير 2011. حين سُئلنا إن كنا نحن من يقف وراء تلك "الايفنتات" ليوم غضب سوري، أسوة بالمصري، في الخامس من ذلك الشهر.

ورغم قوائم "الأتندينغ" الطويلة على "الصفحات"، و"السبامات" الغزيرة التي غزت صناديق البريد الالكترونية، والتي قادها مغتربون، بالمعنى الأعمق للكلمة (من ثلاجات "استوكهولم" وطاولات شاي "لندن") لم يخرج يومها أحد إلى الشارع. وكان قرار الناس الـ"أوفلاين" على الأرض هو "إيغنور" على مساحة أزيد من 185 ألف كيلو متر مربع.

فصفحة "الثورة السورية ضد بشار الأسد 2011" ليست مَن أطلق شرارة الانتفاضة، ولا حتى أول نكتة فيها. بل وجع فيّاض من ملح ودم فجرّ سلوانا لأظافر أطفال لم يعد مهماً اليوم (بعد أن اجتثت الأراوح من الصدور) إن كانت قد اقتلعت من تلك الأصابع الطرية حقاً أم لا.

وجعٌ، تواصل مواره بـ"الله أكبر" ومن دونها، بعد قطع خطوط الكهرباء، والهاتف، والانترنت، والهواء، ليركب الـ"لايف ستريمينغ" للحشود المتدفقة لاحقا من ركب، ويعبث بوسطاه وسبابته بأسلاك الـ"الويرلس" الطويلة في الداخل المحتل، من عبث. متوهماً في الحراك دمية تستكين للتحريك بالـ"ريموت كونترول".

بعد فشل الجيل الأسبق في إرساء حياة مجتمعية مدنية سورية واقعية، لجأ شبابنا إلى المديني "الافتراضي".
واليوم، بعد أن فاضت الحواس بالتغيير الملموس (إيجاباً وسلباً، يرتد فعل مثقفي معارضاتنا إلى المتوهم "السايبيري"، حيث "يهيْبَرُ" التعليق، وتتطاول الحواشي و"الشاتات" لتغطي على النص، بدل أن "تغطيه".

وكما ينبذ سوريون اليوم رموز سلطة الأمر الواقع الاستبدادية من وجدانهم السياسي والاجتماعي، خلّف سوريون كثر أيضاً من قبل وراء ظهورهم الشاردَ من مثقفيهم ومعارضيهم، ممن أمست مسايرتهم عبئاً قاتلاً على القافلة. وذلك منذ التجأ "العامة" إلى الصحون اللاقطة في تسعينيات القرن المنصرم، ناشدين "فرجة" أخرى، بعيداً عن إلغائية السلطة، ولغو المعارضة.

غير أن عدداً لا يستهان به من هؤلاء المثقفين يعود اليوم لمحاولة "تفعيل" حسابه، غير "المعرّف" أصلاً لدى قطاع واسع من "جمهوره/ شعبه". مقتنصاً هذه المرة فرصة "تقنيّة" في الإعلام الاجتماعي الذي لم يكن له أي يد نضالية وإن في رفع الحجب عنه قبيل الثورة.

إعلام اجتماعي مبذول حتى لمن لا يملك منهم شخصيّة "حقيقيّة". أو لأولئك من مدمني التنكر "الأيديولوجي". لينطبق عليهم (بكل متاعهم الثقافي الرصين) ما سبق ونعتوا به شباب الجيل الذي تلاهم بأنهم:

"متهورون، مباشرون، ومهتمون بالتواصل... حتى وإن لم يكن لديهم شيء مهم يقولونه"!



اكذب ولن تصدّق أحداً بعد اليوم






سامورا غوشي ("بيتهوفن" الياباني)، المنكوب مؤخراً بافتضاح كذبه "السيمفوني"، ليس سوى طالب فاشل في إحدى زوايا المدينة الجامعية مترامية الأطراف، والتي تخرّج في كل لحظة أفواجاً من الموسيقيين والرسامين والكتّاب والراقصين والأكاديميين، ممن يتقنون حرفة الكذب بنموذجه "الطوباوي" الأمثل.

دعونا لا نقف عند غوشي الوقفة التي بُهت لها كثير من مثقفينا الشهر الفارط. فلدينا في مراكز البحوث والدراسات، العربية منها والإفرنجية، أكثر مما يسد الرمق فيما يتعلق بمسألة الانتحال أو "Pseudologia Fantastica" وشقيقتها "Mythomania" أي الكذب، إذ أننا ما زلنا قريبي عهد بما درجت عليه تلك المنابر "الأكاديمية" لعقود من الترويج لفكرة أنّه نتيجة للديكتاتوريات المستحكمة في بلداننا، وبسبب الفقر والعوز المستشريين في طبقاتنا "الكالحة"؛ واستتباعاً لمخاوف "الأسلمة" و"السلفنة"، وانكفاء شباب العرب نحو الجنس "السايبيري" وطوابير تأشيرات الهجرة، ناهيك عن قرب احتفال "أولاد عمومتنا" النوويين بأول مائوية استعمارية على أرض فلسطين؛ فإنّ شيئاً ما في منطقتنا لن يتغير. وما حصل هو أنّه للأسباب آنفة الذكر بالضبط تغيّر كل شيء.

ثم ماذا عن فلول الكتبة الكذبة الذين تزدهر صحائفهم (المتربصة بالعدو طبعاً) على حساب غابات الأمازون؟ زادهم في هذا ليس سوى قول من قال: "من السهل على الناس تصديق كذبة سمعوها في الماضي، على أن يصدّقوا حقيقة يسمعونها للمرة الأولى".

ذلك أنّ الكذب الإعلامي لا يستفحل إلا عندما يبدأ الشعب بالظهور كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية، إذ لا ضرورة لتضليل المضطهدين عندما يكونون غارقين حتّى آذانهم في بؤس الواقع. والاقتباس السابق للفيلسوف البرازيلي باولو ريجلوس فريري، الذي توفي أواخر القرن المنصرم بعد أن صبغ لحيته البياض وهو ينادي ـ من واد آخر ـ بتحرير التعليم من الأكاذيب الرصينة الموثّقة "علمياً" و"تاريخياً".

فمنذ أيام تعليمك الأولى ـ كمثقف في "الكُتّاب" ـ تدخل المدرسة وتشاهد الكذبة "التربوية" الأولى محبّرة بحجم جدارية للأب القائد. ليدركك اللباس العسكري المدرسي سريعاً على سبيل إعدادك لمعركة مصيرية لا نيّة أصلا،ً لمن ألبسك تلك البزة، في اجتراحها ولو لفظياً. لتعلم بعد سنوات أنك أنت من أُردي ـ لا عدوك ـ لحظة ارتدائك إيّاها.

وكل هذا ولم تفتح بعد صفحة واحدة في دفترك الصغير الذي ستتسع سطوره تباعاً وبالإكراه الاستظهاري لمجلدات من النفاق القومي، والتقية الماركسية، والحتمية التاريخية المذهبية، واستشرافية التراث ومستقبليته.

الكذب هنا بوصفه آلة من آلات القهر، وسلاحاً من أسلحة الدمار "الثقافي" الشامل الذي يذوّب ـ كالكيماوي ـ مَلَكَةَ النقد وفطرته لحساب مسلمات مفبركة، أو فبركات تُلصق بالمسلمات فيصير نقضها وكأنّه نقض للبديهية نفسها.

تـَكاذبُ الإكليريوس على غاليلو وكوبرنيكوس لم يوقف دوران الأرض لا في رأسَي الفلكيَيْن ولا في عينَي تلسكوبيهما المصوبين نحو "الصدق" السارح في أعماق المجرّة؛ بل أوقف سيلان المادة العصبية لعقود في أدمغة الملايين الذين ظنوا بهذين المناضلين الشعوذة والهرطقة، قبل أن يصبح التجديف القديم ـ لاحقاً ـ مادة أصيلة لكل إيمان بالمستقبل.

والكذب يستبطن العنف ضرورة، رمزياً بحسب بورديو، أو ناعماً باجتهاد ألتوسير، إلى أن ينتهي بنا المقام متفرجين على نهاياتنا بأيدي وأرجل قبائل موظفي العلاقات العامة وعشائر الخبراء المشهود لهم من طبقة "الزبد" السياسي الطافية.

لكن دعونا لا ننسى أن الكذب في النهاية بحاجة إلى اثنين لتقوم قائمته: كذوب شارد، وصدّيق وارد.
يأخذ بيدنا إلى عينة من الكذب "المثقف" الذي تواضعنا على الفخر به، ما يقوله ابن سلام الجمحي البصري في لحظة مكاشفة (لعل لحيته ورأسه ابيضّا بسببها وله سبع وعشرون سنة): "وكان قوم قلّت وقائعهم وأشعارهم وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كانت الرواة من بعد، فزادوا في الأشعار".

وتبقى المأساة الملهاة أنّ "عقاب الكاذب ليس بأنّ أحداً لن يصدقه مستقبلاً، بل بأنّه هو من سيفقد القدرة على تصديق أي شيء بعد اليوم". صدق برنارد شو. هذا أو فلنُقنع المحاصرين في مخيم اليرموك بأنّ لهم في "البسكويت" حصة. 



الأزهر: ومن بعدي "الطوفان"

 
 
 
 
يُحسد الأزهر على بحبوحة الوقت التي يجد نفسه يرفل فيها، في حين يشتكي الآخرون من ضيق هذا الوقت الذي يجب خلاله معالجة الكثير من الإشكاليات السياسية والاقتصادية والثقافية، والتي يستعر النقاش حولها دفعة واحدة في غرفة المخاض الكبير المفتوحة الجدران في المنطقة.
 
فشغلنا الشاغل اليوم بحسب أولويات "الإكليروس" غير المطوب في القاهرة، يجب أن يتمحور حول الأخبار العاجلة التي تردنا منذ 7000 آلاف عام على ـ أقلّ تقدير ـ لنلوب في سفسطات منع وحظر ومصادرة فيلم ما، هو "نوح" في قصتنا هذه.
 
ففي ردٍ على اعتراض عدد من المثقفين والناشطين المدنيين المصريين على منع الأزهر عرض الفيلم في دور السينما المصرية؛ أصدرت هيئة كبار العلماء في المؤسسة الدينية المذكورة أمس بياناً عادت وأكدّت فيه على أنّه من غير الجائز "تجسيد الأنبياء والرسل في الأعمال الفنية"، باعتبار أنّ هذه الأعمال تسعى لتمثيل الواقع، بينما "حياة الأنبياء وسيرهم فيها من الوحي والإعجاز والصلات بالسماء ما يستحيل تجسيده وتمثيله"، بحسب تعبير البيان.
 
 ويجادل كثير من المثقفين والحقوقيين المصريين بأنّ صلاحيات الأزهر تنحصر في إبداء الرأي فقط، في حين أنّ قرار المنع ـ إن صدر ـ فرقابة المصنفات الفنيّة وحدها هي الجهة المعنية بذلك.
 
 أما على المقلب الآخر، فيتشبث الأزهر في تسويغ دوره الرقابي على الأعمال الإبداعية بـ"المادة 7" من الدستور المصري الحالي، والتي يُنيط نصها بشيوخه متابعة "القضايا الدينية والشؤون الإسلامية". وعليه فإنّ فيلم "نوح" وغيره من الأعمال السينمائية التي تتناول "قصص الأنبياء" لا بدّ أن يبتّ في أمرها الأزهر "سواء قالت الرقابة نعم أو لا" كما حسم أحد أولئك المشايخ.
  
بندول الحلال والحرام

وخرجت أول فتوى معروفة من الأزهر بتحريم "تصوير الرسل والأنبياء ورجال الصحابة" عام 1926 إبّان شروع شركة تركية في انتاج فيلم "محمد رسول الله"، حيث صدرت تحذيرات من رأس السلطة في ذلك الوقت (الملك فؤاد) لبطل الفيلم المتوقع يوسف وهبي بعدم المضي قدماً في العمل، ما أدّى إلى توقف المشروع. ليعود الأزهر بعد 86 عاماً ويعترض على فيلم يتناول ذات الموضوع باسم "الرسول" أخرجه ولعب دور البطولة فيه الإيراني مجيد مجيدي في العام 2012.
 
وعلى النقيض من تلك الحادثة؛ جرى في مصر عام 1956 إعادة إنتاج وعرض فيلم "الوصايا العشر" للمخرج الأميركي سيسيل ديميل (الإنتاج الأول كان صامتاً لذات المخرج عام 1923) والذي روى لجمهوره على مدى أربع ساعات "قصة موسى" كما وردت في "سفر الخروج". لكن هذه المرة بتسهيلات من حكومة جمال عبد الناصر، ومن دون أن ينبس مشايخ الأزهر ببنت شفة.
 
أمّا اعتراض الأزهر لاحقاً على فيلم "آلام المسيح" لميل غيبسون في 2004، فتُناقضه سابقة فقهية-فنية للأزهر نفسه إثر "المباركة" التي نفحها شيخه محمد مصطفى الرفاعي لفيلم كاد يحمل الاسم ذاته وهو "حياة المسيح وآلامه" للمخرج محمد عبد الجواد، وذلك في العام 1938. ومثّل فيه أحمد علاّم شخص "المسيح"، فيما ذهب دور "السيدة العذراء" لعزيزة حلمي، ودور "مريم المجدلية" لسميحة أيوب. أمّا نص الحوار فقد راجعه في ذلك الوقت عميد كلية الآداب في الجامعة المصرية طه حسين.
 
إذن هو تاريخ من الفتاوى المتناقضة المبنيّة على الرجم بالغيب. إذ كيف يجرؤ أحد على إصدار حكم من أي نوع على شيء لم يره، بل يرفض رؤيته؟
 
تناقضاتٌ يتجنب مشايخ الأزهر الحديث عنها، لما قد تكشفه من مزاجية في طبعهم، إن لم نقل حركتهم النوّاسة بين "البراغماتية" المحضة، و"الانتهازية" المدروسة. ودائماً وفق الرياح السياسية التي تهب في الشراع فيُفرد وينتفخ، أو تعانده فيُعقد ويُطْوى كي لا يغرق المركب.
 
عشرة قرون إلى أين؟

من غير المرجح أن يصدر في وقت قريب بيان ـ ذو مغزى هذه المرة ـ عن مشيخة الأزهر نقرأ فيه مثلاً تبنياً كاملاً للحقوق المدنية للمصريين كـ"مواطنين" متساوين بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو جنسهم، كخطوة تقدميّة يمكن التأسيس عليها لبناء دولة جديدة سبق لشعبها أن انتفض مرتين على الهياكل القديمة البائدة فيها.
 
لكنّ ذلك "العشم" البعيد نسبياً لا يمنع من ضرورة المطالبة بانصراف المؤسسة التي جاوز عمرها 1044 عاماً إلى مواجهة آفة الطائفية التي بدأ أكثر من رأس يطلّ لها في الربوع المصرية، أو رفع الغطاء الديني عن الحركات السياسية التي تتلطى به.
لم يُعر أحد اهتماماً لاعتراض شيخ الأزهر عام 1977 على فيلم "الرسالة" للمخرج السوري مصطفى العقّاد بحجّة تجسيده "حمزة ابن عم النبي"، لدرجة أنّه لاحقاً وفي مسلسل سوري واحد تم تجسيد شخصيات "الخلفاء الأربعة" دفعة واحدة، ولم يلتفت غالب السوريين إلى هذا الجدل الهامشي، بل فضلوا الانشغال بما هو مهم؛ ثورتهم التي ما زالت مستمرة ضد الاستبداد.
 
الثورة ذاتها المستمرة في مصر اليوم، ضد الذين يستمرئون الاستمرار بالاستهانة بإرادة الناس، وقدرتهم على صنع حاضرهم ومستقبلهم بأيديهم، لا بعمائم تجّار الدين، ولا بنياشين طواغيت العسكر.
 
من "نسخة مطابقة" لعباس كيروستامي، إلى "وهبتك المتعة" لفرح شاعر، ومن "نوح" لدارين أرنوفسكي، إلى كل السينما من كل المخرجين، يستمر مقص الرقيب الرسمي والمرسوم في مسيرته المشينة تقطيعاً وحذفاً ومنعاً من طهران إلى بيروت، ومن القاهرة إلى الرياض. كما لو أنّ الحال هي الحال، أو أنّ شيئاً سياسياً-ثقافياً لم يتغير حولنا.
الأمر بأيدينا إن أردنا إثبات عكس ذلك.
 
 
 

"الصكّار".. صوت الأبجدية وسوط الجلاد

 
 
 
 
 
"لقد حوربنا في الخط العربي كما حوربنا في النفط". عبارة ظلّ محمد سعيد الصكّار (1934ــ 2014) يرددها حتى رحيله منفياً في باريس الأحد الماضي.
حربه تلك، في جغرافيا تاريخُها مشغول بخيوط الدم، لم تلفت الانتباه؛ رغم أن السلاح الذي استخدم فيها كان أيضاً من ضمن ما يشار إليه اليوم بـ"الأسلحة غير التقليدية"، إلى أن تلقفته يوماً الانتهازية السياسية ممثلة بالنظام العراقي في حينها والذي أراد "الاستثمار" في منجزه الثقافي، ما دفعه إلى حزم محبرته وأقلامه ليخطّ للرحيل لوحةً استغرقه الوصول إلى آخر ضربة ريشة فيها حوالي 35 عاماً.

"شيخ الخطاطين" و"شاعر الحرف" ذو المولد البغدادي والنشأة البصرية والمعاش الباريسي تنبّه باكراً إلى العبث الذي كان بعض المستشرقين المتهورين يزرعون بذوره في أصل من أصول ثقافتنا، وهي اللغة العربية. ومطيتهم إلى ذلك لم تكن سوى حروف هذه اللغة وأبجديتها نفسها.
فبعد اختراع الطباعة صار أحد هموم المستشرقين الوافدين هو تغيير الهيئة الأساسية لتكوين الخط العربي ليناسب "المطبعة"، الاختراع الثورة في حينه. فقد وضعتهم الحروف العربية التي تكتب متصلة أمام تحدٍ كبير بسبب تعدد "أشكال" الحرف الواحد عند الكتابة. لذلك بادروا إلى اعتماد تقنية الدمج بين الأحرف وجعل كل منها "وحدة" منفصلة. بحيث أن كلمة "حامد" مثلاً أصبحت "حا" فيها وحدة (حرفاً طباعياً) منفصلة عن "مد". فأمسى عدد الخانات في الطابعة العربية الأولى التي طبعت (في ألمانيا) كتاب "القانون في الطب" لابن سينا مثلاً، 1600 خانة مصبوبة بالرصاص. وهو رقم هائل مقارنةً بـ 29 حرفاً أبجدياً في العربية، والتي من المفترض أن يقابلها نظرياً حوالي 35 حرفاً طباعياً.

وبالتالي فإنّ نظرية الهولنديين والألمان والفرنسيين (لم يكن ثمة عرب يعملون معهم) جعلت من كلفة الطابعة العربية كابوساً مالياً بعد ان باتت تساوي عشرين ضعف كلفة نظيرتها اللاتينية. فكان الحل المقترح من قبل المستشرقين هو إمّا كتابة العربية بأحرف منفصلة، أو التحول إلى الحرف اللاتيني مباشرة. وهو ما كانت بعض البعثات التبشيرية الأوروبية في آسيا (القرن 18) تقوم به مع اللغات المحلية للشعوب التي تدخل بلادها.

وعى الصكّار هذه المعضلة، ومكث يحاول إيجاد حلٍ لها قرابة أربع سنوات وصل أكثر من مرة في نصفها تقريباً إلى طريق مسدود. إلى أن قرر تغيير منهج البحث في عمله، وبدأ بالتعامل مع الشكل المرسوم للحروف على أساس أنّه عبارة عن "وحدات بصريّة"، ليخرج على العالم لاحقاً بنظريّة "الأبجدية العربية المركّزة". وهو ما سجّله تباعاً كاختراع في أكثر من بلد. وهبط بفضل هذا الكشف عدد الوحدات الطباعية العربية الذي كان بالمئات إلى 22 وحدة بصرية، أي أقلّ حتّى من عدد حروف الهجاء العربية. وهو أمر يحدث للمرة الأولى في تاريخ اللغات في العالم. أي أن تكون الأشكال المكتوبة أقلّ عدداً من الأصوات اللغوية المنطوقة.

انهالت عروض استغلال الابتكار الفريد على رأس الصكّار من أصقاع كثيرة، لكنّه فضّل الاستجابة لطلب عرض جريدة "الثورة" العراقية الذي قدّمه له طارق عزيز (كان صحافياً فيها قبل أن يصبح وزيراً في خارجية صدام حسين). وتم تطبيق نظرية الصكّار لمدة ثلاث سنوات ونصف بنجاح.

وعندما صار أوان بدء التوسّع في تطبيق الاختراع وتصنيعه ـ وفق الاتفاق المبرم ـ فوجئ المثقف العراقي بـ"جمعية الخطاطين العراقيين" وقد أرسلت رسالة إلى الرئيس أحمد حسن البكر تتهم فيها الصكّار بأنّ عمله هو هدم للتراث، وتشويه للقرآن، وإساءة للثقافة العربية، وبأنّ الصكّار نفسه "ماسوني". وهي تِهَم كانت تصل عقوبتها في العراق آنذاك إلى الإعدام. ووصل المطاف بالنظام القائم أن طلب من الصكّار الانضمام لحزب البعث كشرط للانطلاق في المشروع. فكان أن فرّ من بغداد بعد مراقبة مخابراتية لصيقة.

حِبْرُ الصكّار مذّاك بات "أسوداً"، فأعجزه رسمُ "قوس قزح" كما صرّح مرة. لكنّه مع ذلك كان مولعاً بالبدايات: "أحبّ أوائل الأشياء. البناؤون وهم يضعون الطابوق على الطابوق، والأخشاب العذراء بأيدي النجارين". وهو ربما ما جعل من موته اليوم عملية "اختطاف" من مداميك كثيرة تُمَدّ للمستقبل، هنا وهناك، في طول المنطقة العربية وعرضها.

توفي محمد الصكّار مؤلفاً لحوالي 25 كتاب، بين شعر ("أمطار" 1962، و"برتقالة في سورة الماء" 1968) ورواية ("فصول محذوفة من رواية بتول" 2011) ونثر وبحث ودراسة ("الخط العربي للناشئة"). إضافة إلى ما يشبه سيرة ذاتية أصدرها تحت عنوان "أيام عبد الحق البغدادي" 1995.

وبين "العبث" الاستشراقي و"البعث" الاستبدادي، لم يجد بائع الخضار، والمحاسب، وصانع الميداليات، والمدرّس (في حلب ودمشق 1957) والصحفي ("اتحاد الشعب" و"ألف باء") والخطاط والرسام والشاعر والروائي واللاجئ العراقي سوى موظفة هجرة فرنسيّة تبتسم في وجهه وتقول له "إنه فخر لفرنسا أن تكون بيننا" ليحسّ كما قال بـ"كرامته" وقد عادت إليه. وهو الذي هاجر من بلاده حفاظاً على تلك الكرامة (رفض أي دعم مالي من الرئيس السوري شكري القوتلي). يقول في حوارية شعرية قصيرة بعنوان "رغبة":

- أتحب اللون البنيَّ،
أم اللونَ الأزرق؟
فالغرفة نفس الغرفةِ
والأسعار هي الأسعار.
- سيدتي:
لون الغِرْيَنِ في دجلة بنيٌّ
وأنا بنيُّ الأَحزان،
وكذاك الأسطح في باريس،
ولون الخبز الإفرنسي
وكل محيط الشعراء
سيدتي
هل يمكن أن أطلب لوناً أزرق؟
- يمكن!
- الله....
ما أرحب باريس!
 
 
 

2014-03-30

الجنسيّة: ثقافة البهلوان في سياسة الثقافة




بعد مناشدات عدد من مثقفي وفناني مصر، استجابت الرئاسة المصرية لطلب منح المخرج السينمائي محمد خان (71 عاماً) الجنسية المصرية، وهو المولود في القاهرة من أب باكستاني وأم مصرية من أصول إيطالية، فيما هو يحمل حالياً الجنسية البريطانية.
ويعدّ محمد حامد حسن خان من أبرز السينمائيين المتمصرنين الذين تركوا بصمات واضحة على السينما المحلية بإخراجه أكثر من 20 فيلماً، كان آخرها "فتاة المصنع" الذي فاز حديثاً بجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما "فيبريسكي" للأفلام الروائية العربية في مهرجان دبي السينمائي الدولي العاشر، إضافة إلى نيل بطلته، ياسمين رئيس، جائزة أفضل ممثلة في المهرجان ذاته.

وللزعماء في منحها مذاهب


سبق لخان أن طلب الجنسية المصرية في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، لكنّ الأخير ضنّ عليه بها آنئذٍ، كما فعل مع ابن الفنانة وردة الجزائرية، مفضّلاً توقيع أوامر إصدارها للموسيقي اللبناني سليم سحاب، ومواطنه الفنان الراحل وديع الصافي.
كما سبق وفشلت محاولات الشاعر محمود بيرم التونسي (ولد في الإسكندرية عام 1893)، في الحصول على الهوية المصرية إبّان الحكم الملكي السابق الذي كان شديد الانتقاد لسياساته. لكنّ الملك فاروق كان أكثر سخاءً مع الفنانَين السوري فريد الأطرش والفلسطيني عبد السلام النابلسي.

على أنّ جمال عبد الناصر الذي أنهى الحكم الملكي في مصر، نقض "فيتو" الملكية على بيرم التونسي فمنحه الجنسية نهاية الخمسينات، كما أعطاها للمطربة السورية فايزة أحمد. أمّا المطربة جانيت فغالي (صباح)، فقد كان وضعها أكثر تعقيداً. فبعدما منحها ناصر الأوراق المصرية، عاد وسحبها منها بمرسوم رئاسي بعد اعتذارها عن إحياء إحدى الحفلات التي كانت ترعاها الحكومة المصرية. وكان على "الشحرورة" أن تنتظر وصول أنور السادات إلى سدة الحكم كي يقوم بنقض قرار عبد الناصر ـ كما فعل على مستويات أخرى ـ ويعيد الجنسية إلى الفنانة اللبنانية.

والسياسيون خارج مصر لم يكونوا أقلّ مزاجية و"براغماتية" من داخلها. فقد أُسقطت الجنسية التونسية عن سهى عرفات، أرملة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بعد فترة قصيرة من حصولها عليها، وذلك إثر خلاف مع زوجة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. أمّا القذافي فكان أكثر تساهلاً. إذ أصدر قراراً بإعطاء الجنسية الليبية لملكة جمال الانترنت الأميركية، تيكا زيندك، أواخر العام 2002. وهو أمر مشابه ـ ربما ـ بالطريقة التي حَصّل فيها مغنيا الراي الجزائريان فضيل بيلوي (الشاب فوديل)، وخالد حاج إبراهيم (الشاب خالد) على الجنسية المغربية من العاهل المغربي محمد السادس الذي كانت تربطه معرفة شخصية بثانيهما مذ كان ولياً للعهد.

واتُّهم القذافي، عندما أبدى نيّته في فتح باب التجنيس أمام الأفارقة والطوارق وغيرهم، بأنه كان ينوي تغيير التركيبة السكانية للبلاد بغرض إعادة استيلاد مفهوم "الإنكشارية" (الجيش الجديد بالتركية) لحماية نظامه من تململ شعبه "الأصلي".

وهو الاتهام ذاته الذي يوجه إلى الديكتاتورية الحالية في سوريا في محاولاتها "تيسير" إعطاء الجنسية السورية لفئات يقول المعارضون إنها مقرّبة من "حزب الله" الذي يقاتل في سوريا إلى جانب النظام، في الوقت الذي يوصي مجلس وزرائها بسحب الجنسية من أي سوري يشارك في أعمال مناوئة للنظام. في المقابل، لا يدّخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جهداً في تجديد عرضه الجنسية الروسية على سوريين من طوائف وهويّات ثقافية دون أخرى بناءً على موقفه من حليفه بشار الأسد.

وفي الوقت الذي تُسحب فيه جنسيات مثقفين ونشطاء مناوئين للحكم في البحرين والإمارات، تُعرض الجنسيتان البحرينية والإماراتية على الفنانة الشعبية سارية السواس، والمطربة أصالة نصري السوريتان.

وأنا فلسطيني أيضاً


ولا يقلّ الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس كرماً عن القذافي. إذ شهد كثيرون له بنشاطه في هذا المجال في السنوات الأخيرة، وخصوصاً مع الفنانين العرب الذين منحهم الجنسية الفلسطينية، وعلى رأسهم التونسي لطفي بوشناق، واللبنانيان راغب علامة وفضل شاكر، والأخير مطلوب اليوم لسلطات بلاده التي تهدده بعقوبات تصل حدّ الإعدام نتيجة "تورطه" مع مجموعات "تكفيرية" محسوبة على مناوئي نظام الأسد. على أننا ـ وربما على سبيل الموازنة الدبلوماسية ـ نجد أبا مازن في لقطة أخرى وهو يسلّم المخرج السوري نجدت أنزور جواز سفر فلسطيني، مع العلم أن الأخير لا يخفي تبنيه للحل الأمني الذي تنتهجه سلطات بلاده ضد "الانتفاضة" الشعبية هناك.

وهذا بالطبع لم يمنع "السلطة الفلسطينية"، الموازية لسلطة عباس، عن ممارسة الصلاحيات ذاتها، وإن عبر توجهات سياسية تعكس "الانقسام" المطوّب مع توأمها في رام الله. إذ تسارع حكومة حماس في غزة إلى منح الجنسية الفلسطينية نفسها لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، المصري ـ القطري يوسف القرضاوي، في رد لجميل الرئاسة المصرية ممثلة بالرئيس السابق المعزول محمد مرسي عندما جنّس العديد من الفلسطينيين الذين يقول مناهضوه إن غالبيتهم ينتمون إلى حماس إيّاها.

وبدوره، منح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الجنسية الأردنية للشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي اختار عمّان لإقامته عام 1995، بعد بيروت وقبرص وباريس وتونس والقاهرة وموسكو ورام الله.

وكلّ ذلك فيما يناضل "الهنود الفلسطينيون الحمر" الأصليون لاسترجاع هوياتهم، فتدور المفاوضات حولهم، وتُبرم التسويات دونهم، مساومة على حقهم في حمل نسخ مشابهة لتلك الأوراق لا أكثر.

من يدفع للزمار

 بعض المثقفين يبادرون أحياناً لتغيير ألوان الأعلام على جوازات سفرهم، كما فعل الكاتب الإسلامي محمد حامد الأحمري الذي أزال علم السعودية عن أوراقه ومهرها بألوان العلم القطري، مجادلاً بالقول: "في النهاية هي أوراق سفر، لا تلغي هويتك، ولا من أنت".
لكنّ سؤال الهوية والثقافة ليسا السؤالين الأكثر إلحاحاً دائماً عندما يتعلق الأمر بالرغبة في منح جنسية أو طلبها أو استجدائها. فـ"الشيء الذي هو جيد في اليد، سيء في القلب" له دور أيضاً، ونعني هنا: المال.

فبينما يصطف الجزائريون والمغاربة ـ على وجه الخصوص ـ في طوابير طويلة سعياً للحصول على الجنسية الفرنسية، ومن خلالها، على فرص حياة أفضل، ها هو الممثل جيرار ديبارديو يلقي بيسراه جواز السفر الفرنسي في وجه رئيس بلاده فرانسوا هولاند، متلقفاً باليمنى من بوتين الأوراق الروسية، احتجاجاً على قرار الرئاسة الفرنسية زيادة الضرائب على الأغنياء.

والأغنياء ـ فرنسيون وعرباً ـ مدعوون دائماً إلى شراء الجنسيات، كما صرّحت المملكة المتحدة أخيراً. حيث عرضت خارجيتها الجنسية البريطانية للبيع لمَن يستطيع إلى الدفع سبيلاً، لأنّ آخرين مثل المواطن غير المثقف ـ بالمعنى النخبوي للكلمة ـ وغير الثري، "معمّر عراقي"، قد لا يحلمون بها قبل أن يجاوز عمرهم القرن (104 سنوات في حالة معمّر).

أمّا النسخة العربية عن القرار البريطاني فصدرت في مرسوم رئاسي لبناني السنة الماضية منحَ الجنسية اللبنانية لـ112 شخصاً أجنبياً كان بينهم أمراء من العائلة المالكة في الأردن.

من جهة أخرى، قد تشكل الجنسية الأجنبية بحد ذاتها مورداً لا بأس به للدخل، كما حدث مع "دكتور" جامعي سعودي زاد راتبه بمعدل الضعف ـ بالشهادة العلمية ذاتها التي وُظّف على أساسها ـ بمجرد أن استلم جواز سفره الفرنسي الأنيق.

أيّ هوية.. أيّ جنسية

 وفيما الجدل ما زال قائماً في ألمانيا حول نزع الجنسية الألمانية عن "جثة" الزعيم النازي أدولف هتلر (نمساوي الأصل)، والتي حصل عليها في عام 1932، أي قبل سنوات قليلة من بدئه حرباً دمرت نصف الكوكب، توافق الحكومة الإسبانية أخيراً على مشروع قانون لتسهيل تجنيس اليهود الذين طردوا من البلاد سنة 1492، والذي سيمكّن ما بين 100 ألف و3.5 ملايين شخص من الحصول على الجنسية الإسبانية مستقبلاً، وفق تقديرات الصحافة المحلية "الأندلسية"(طبعاً لا ذكر للعرب والمسلمين الذين وقع الطرد أساساً عليهم).

كما تعلن الحكومة التركية ـ بلا ندم ـ عن إعادة الجنسية التركية التي أُسقطت عن الشاعر التركي ناظم حكمت عام 1951 بتهمة الانتماء الى الماركسية، والتي سجن بسببها في تركيا مدة 15 عاماً، وذلك بعد 36 عاماً على وفاته.. كمواطن بولندي.

وبالعودة إلى مصر، يبدو لنا أنّ الأسباب الفنيّة والثقافية التي دفعت النظام العسكري الحالي في مصر إلى منح المخرج البريطاني ـ الباكستاني محمد خان الجنسية المصرية ـ لم تشفع إبداعياً للشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي (والدته مصرية) للحصول على الوثيقة ذاتها. إذ ربما كان عليه أن يكتب شعراً أكثر، أو أن ينتظر ببساطة وصول "أوتوبيس" الديموقراطية من البعيد "الديماغوجي" الهادر، على أمل ألا يستغرق ذلك 104 أعوام أخرى.


                                                                                                                                                                                                            24 مارس 2014

مباخر إلكترونية لـ"المستبد الجاهل"








لم يعد كافياً بعد اليوم أن تنأى بنفسك عن التلفزيون، أو تطفئ راديو سيارتك، أو تدسّ الصفحة الرئيسية للجريدة القومية في بلدك تحت صحن طعام حيوانك الأليف، كي تتجنب سفاسف السياسيين العرب. فالخبر العاجل غير السعيد هو أنّه قد فُبرك لوسائل الاتصال الاجتماعي فصل خاص للطبعة المنقحة والمزيدة من كتاب "الأمير" لـ"ميكافيللي" بنسخته المعرّبة "كيف تصبح ديكتاتوراً لخمسة عقود بدون معلّم".

فبعد "فيسبوك"، و"انستغرام"، و"يوتيوب"، ها هم قادتنا وزعماؤنا الأزليون يصدّرون لنا بـ140 حرفاً على "تويتر" عُصارة المادة التي حنّطت تطور حياتنا السياسية لأجيال خلت، عن طريق حُقنٍ "رقمية" هذه المرة يُراد لها أن تتغلغل في شرايين الحياة الافتراضية التي فرّ إليها الناس من جحيم الموت البطيء المفروض على وجودهم "الكلاسيكي".

فرئيس البرلمان اللبناني المُستدام نبيه بري ينقل مائدة "الحوار اللبناني"، التي نأت بحملها كتائب "رانجروفات" المرافقة في "الدوان تاون" البيروتية، إلى ظهر الطائر الأزرق الصغير. ليردّ عليه في التو واللحظة رئيس حكومته السابق المغترب سعد الحريري بـ"إدخال" لبنان أخيراً في "زمن العدالة" بلمسة خفيفة على "إنتر" جوّاله "الذكي". أمّا نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي ضاحي خلفان فلن تأخذ منه إشكالية تحصين الخليج العربي/الفارسي من الثورات والاضطرابات التي تترصده منذ 1979 إلى 2011 سوى "تغريدة" ناعمة واحدة، سيغفو على سقسقتها الوادعة –ولابدّ- 45 مليون من مُواطني و"لا" مواطني الخليج المسبحين بحمد الشركات القابضة على مقدرات بلدانهم.

والأخير بالذات له باع أطول من غيره في ترويض العصفور الذي سبق له أن أقضّ بمنقاره القصير مضاجع جيرانه "الملالي" في طهران إبان "الثورة الخضراء" منذ سنوات ليست بالبعيدة. فخلال زمن قياسي أقصر من الوقت الذي تتطلبه قراءة سيرته الذاتية على "ويكيبيديا"؛ تمكن خلفان على "تويتر" من كشف مؤامرة "الموساد"، وإحباط مشروع "الإخوان"، والتصدي للعصابات الإرهابية والتكفيرية، والتنظّير للحكم الالكتروني الرشيد. بل ووجد متسعاً على "أندرويده" لبعض الإنجازات الثانوية "الشعبية" منذ يومين، كإنقاذ مواطن –أجنبي طبعاً- تائه قرب دبي غاصت عجلات مركبته في الرمال.

نعم، هي الرمال ما يحاول هؤلاء القوم ذرّها في عيوننا التي لم يغمض لها جفن منذ نُحت ذلك الاصطلاح المشؤوم في لغتنا التي يتغنى معجميونا بمدى مرونتها: "المستبد العادل".
الجملة التي كلما حاول أحد في تاريخنا الوطني الحديث تجاوز مبتدأها، أمسى خبراً، وضاع محلّه من الإعراب. على الأقل إلى ما قبل 2011.

لن يضطّر مسؤولونا "الديجتاليون" بعد اليوم إلى الطيران بعيداً في أصقاع مزارعهم في تحد ميداني لثبات صبغات شعرهم، أو جرّ أمراض شيخوخة سلطتهم المزمنة خارج "مايو كلينك"، أو خلع "بيجامتهم" –ربما إعادة ارتداءها- كلما أرادوا توجيه كلمة "تاريخية" لنا، نحن "الديموغرافيا" التي تملأ بمحض الصدفة هذه المراعي الـ"3D" والمدعوة "جغرافياً" بالعالم العربي.

حتّى وإن زلّت وسطى أحدهم على "الكيبورد" بقشة قد تستشرف فيها مراكز البحوث والاستخبارات قصماً لظهر البعير المثقل، فالجواب الافتراضي جاهز: "كان هذا هو الحساب الشخصي للمسؤول، وهو يعبّر عن وجهة نظره الشخصية"، وإن لم يقتنع قطيع "الفولورز"، فسيأتي يوم "الحساب" العام سريعاً، اعتقالاً، وترحيلاً، ودكاً بالبراميل المتفجرة. أو ربما الأسوأ: "انقطاع مفاجئ لخدمة الانترنت عن كامل البلاد".  

                                                                                                                                                                                                          13 مارس 2014

"اللحظة" العربية في مطولات وثائقية




نَفَسٌ طويل ذاك الذي يتمتع به الشباب من مخرجي الوثائقي الجديد هذه الأيام. فالداخل إلى صالة "متروبوليس" في بيروت لمشاهدة أحد تلك الأفلام في "أسبوع آفاق السينمائي" -اختتم أمس الثلاثاء بفيلم "هرج ومرج" للمصرية الشابة نادين خان- لن يغادرها غالباً قبل أقلّ من ساعتين، وإن كان من ضمنها طبعاً جلسة النقاش القصيرة التي تلي العرض مع مخرج أو مخرجة العمل.


ففائضُ الـ"رشز" (مسودات التصوير) في أيدي صانعي الأعمال التي أنتجها "الصندوق العربي للثقافة والفنون" في السنتين الأخيريتين واضح جداً في المتن ذاته الذي يُعرض على الجمهور المتحمس. ومع أنّ الدقائق الطويلة التي كرسها لأفلامهم المخرجون والمخرجات –عددهن أكبر- ليست بالضرورة ثرثرة مجانية، ولكنّها مع ذلك تشي بحجم الضغط التسجيلي الذي يجد الـ"مونتيير" نفسه في خضمّه من دون ترتيب واضح للأوليات فيما يُراد له أن يعرض في النهاية على الشاشة البيضاء.


أفلام "أريج" لفيولا شفيق (90 دقيقة)، و"حبيبي بيستناني عند البحر" لميس دروزة (80 دقيقة)، و"بيت التوت" لساره إسحق (65 دقيقية)، و"موج" لأحمد نور (70 دقيقة)، و"طيور أيلول" لساره فرنسيس (93 دقيقة)، وغيرها، كلّها أمثلة عن الشرائط الطويلة المقترحة على الجمهور البيروتي الصبور هذا الأسبوع.

كاميرات نَهِمَةٌ تجُول في الوقت الطبيعي للأشياء، حتى يخال المشاهد أنّ أصحابها لا يريدون لعدساتها أن ترفّ لئلا تفّوتَ سرديّة جهة من الجهات الأربع التي تسرح كلّ منها في هاجس، بين الداخلي والخارجي، في الذات والمحيط.

لنتنفس بصدر رحب –مع الإخراج- زفير الشارع المائج يمنة ويسرة، ونتلقف معه الكوادر ذاتها أحياناً لجدران تتلاحق عليها وراء كلمة "يسقط" إيّاها؛ أسماءٌ وأحزابٌ وشعارات مختلفة في كل مرّة. أو نغوص بشهيق واحد، في لُجج النفوس المضطربة، اللاهثة وراء "لقطة" الهويّة والدور، في لوحة متراميّة الأطراف تغصّ بالكينونات المتحولة باضطراد.

هذا لا ينفي أني كنت تواقاً بشكل شخصيّ لأن أعرف المزيد عن "محمد" إحدى شخصيّات ميس دروزة في "حبيبي بيستناني عند البحر" لصداقة جمعتني به ذات يوم في مخيم اليرموك قبل أن تتقطع بنا السبل، وعادت دروزة هنا لتجمعنا ثانية على غير موعد. لكنّ هذا يظلّ هماً ذاتياً لي أنا.

فيما يتمنّى –سراً- نديم لي في عرض "أريج" على فيولا شفيق لو أنّها صوبت "زوومها" أكثر على فكرة توحش رأس المال "الوطني" الذي يبتلع تاريخ مصر صفحةً صفحة، ونُصباً نُصباً، والذي لم تصل الثورة "السياسية" بعدُ إلى أنيابه المشرعة، بدل القفز المتكرر إلى جوانب الحراك الشعبي الذي "بتنا جميعاً نحفظ له في رؤوسنا صوراً فوتوغرافية ناجزة". والكلام لصديقي دائماً.

على أنّ المطولات السينمائية هذه مسألة غير نادرة أبداً عند الوثائقيين والتسجيليين السوريين، الذين غابت أعمالهم بالصدفة عن هذه الاحتفالية السينمائية، ممن لا يزيد فضل بعض منهم فيما قدموه حتى الآن عن اختصار ساعات الـ"يوتيوب" السوري الطويلة المتاحة على الفضاء الافتراضي، و"فلترة" بعض المقاطع المؤسيّة التي تسحبنا إليها عادة الروابط و"الـ"لينكات" التي لانهاية لدفقها على "فيسبوك" و"تويتر".

عبء كبير ولا شك نلقيه على عاتق المصور الشاب، إضافة إلى وزن كاميرته الأصلي، ونحن نطلب منه أن يهضم لنا مشهدياً طوفان المارثون البصري الذي لم تهدأ سيوله منذ كانون الثاني/ يناير 2010. أو أن ننتظر ممن تكتب "سكريبتها" لأول مرة أن تجمع لنا اللقطات المفككة، بين القاهرة والسويس وبيروت وبغداد والقدس وصنعاء، في نسق يصوب الضوء على الفكري الجامع، بدل الاستسلام الكلي فقط للضوء الآخر القادم من خارج "الغرفة المظلمة"، والذي تكدّ العدسات "المستقلة" في الاغتراف منه، باحتراف أحياناً، وبدونه في أحايين أخرى غالبة.

تَفرُدُ اللحظة العربية كنوزها بإلحاح أمام صيادي الصورة الشبّان، العارفين بلا شك بأنّ "ليس كلّ ما يلمع ذهباً"، لكنهم -على ما يبدو- يفضلون اليوم أن يحرثوا بشباكهم كلّ البحر، خشيةً على ما "يلمع" اليومَ منْ أن "يذهب" في معمعة الأخبار العاجلة التي تسرق بريق اللحظات الأولى، فينحدر لؤلؤها منسياً نحو القاع.



                                                                                                                 نشرت في العربي الجديد
                                                                                                                               12  مارس 2014

"بانكسي" ناشطاً على "يوتيوب" السوري Banksy as an Activist on Syrian YouTube

 
 
 
 
ستة ملايين ونصف المليون مشاهَدة حتى اللحظة، هي نصيب الفيديو المثير للجدل الذي وضعه "فنان الشوارع" البريطاني المعروف باسم "بانكسي" على موقع "يوتيوب" منذ أشهر قليلة، ويَظهر فيه مقاتلون يتحدثون اللهجة السوريّة ويسقطون إحدى شخصيات "والت ديزني" الكرتونية بصاروخ مضاد للطائرات.
ويظهر العمل المصور رجالاً بزي مقاتلين إسلاميين بمصاحبة تسجيل صوتي يبدو أنه مأخوذ عن تسجيل آخر لمقاتلي المعارضة السوريّة على "الانترنت"، باسم "المجلس الثوري العسكري" في حلب، يسقطون فيه طائرة للجيش السوري النظامي.

وبعد التكبير والتهليل، ينجح المقاتلون في إصابة الهدف الذي سرعان ما يكتشف المشاهد أنّه ليس سوى الفيل "دمبو" إحدى الشخصيّات الكرتونيّة الشهيرة لشركة "والت ديزني".
ويلفظ الفيل الصغير أنفاسه الأخيرة فيما يقف أمامه طفل صغير غاضب سرعان ما يوجه ركلة قوية إلى ساق الرجل الذي أطلق الصاروخ، ليقع الأخير أرضاً، وهو يتألم.

وبما أنّ "بانكسي" لم يوضح صراحة قصده من وراء بثّ هذا الفيديو، ولا الرسالة التي أراد إيصالها؛ فقد سارع زوار "يوتيوب" إلى إبداء وجهات نظرهم بالموضوع. ويلحظ المتابع مدى الانقسام الحاصل بين من يرى في المقطع تنبيهاً إلى حقوق الطفل المنتهكة في مناطق النزاع المسلح، ومنها سوريا، ومن يقرأ العمل على أنّه انتقاد لسياسة الدفع بالمزيد من مشاهد العنف التي تستقطب مشاهدي شاشات التلفزة، وبالتالي أموال الإعلان الطائلة.

و"إثارة الجدل" ليس أمراًغريباً على "بانكسي" الذي يصر على الاحتفاظ باسمه الحقيقي سراً حتى اليوم، والتفاته هذه المرّة إلى انتاج أعمال فيديو يزيد من هذا اللغط الدائر حوله، فيما إذا كان هذا الأمر مجرد "تكتيك" فني، أم تبنيّاً مستجداً لـ"الفيديو آرت"، على حساب، أو بالتوازي، مع شغفه الأصلي بالرسم على الجدران.

فنان "غرافيتي" سوري مقيم في بيروت، وأحد "مريدي" الفنان الشهير قال لـ"العربي الجديد" إنّه يتأرجح بين تأويلين للعمل، أولهما أنّ الفنان البريطاني "الثوري" يسخر بمرارة من طريقة تعاطي وكالات الأنباء مع "الحدث السوري" باعتباره "منجم ذهب" لترسيخ الصور النمطيّة عن أبناء هذه المنطقة من العالم، و"تسخيف جهودهم للخروج من واقعهم السياسي البائس، عبر تظهير أخطائهم اللوجستية، وتعميمها كأنّها هي الخيط الناظم لكل هذا الحراك الشعبي".

أمّا "التأويل" الثاني لمحدثنا الذي لن يفصح عن اسمه، قبل أن يفصح "بانكسي" ذاته عن اسمه الحقيقي، كما قال؛ فيذهب في اتجاه تفسير "لا يحبذه" عن كون "بانكسي" قد تقصّد التهكم على المعارضة السوريّة المسلحة مباشرة. لكنّ فنان الـ"غرافيتي" السوري الشاب، يستبعد هذا الاحتمال سريعاً، بالنظر إلى مواقف "بانكسي" المشرّفة من قضية فلسطين، دون أن يصادر حقّ "الفنان" في التعبير عن مواقفه أياً كانت، "وله في أدونيس أسوة حسنة!". لكنّ ذلك يظل مستبعداً، ما لم يعبّر "بانكسي" عنه بـ"صريح القول"، على حد تعبير معلّقنا.

وسبق لـ"بانكسي" أن شدً رحاله إلى الضفة الغربية في 2005، حيث وضع "لوحاته"على الجانب الفلسطيني من جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، راسماً صورتين باتتا معروفتين اليوم، تمثل إحداهما فتحة في الجدار تظهر للمشاهد وكأن شاطئاً جميلًا يمتد خلفه، وأخرى تجسد طفلة تحاول الطيران فوق الجدار بواسطة "بالونات" تحلق بها عالياً.
واشتهر "بانكسي" خلال تسعينيات القرن الماضي، وخاصّة بعد تصويره ملكة بريطانيا "إليزابيث الثانية" على هيئة "شامبانزي" في 2002، قبل أن يصدر كتاباً بعنوان "انطح الجدار برأسك". وهو الذي يصرّ على عدم عرض أعماله في المعارض والصالونات الفنية. لدرجة أنّه تسلل في أحد أيام 2005 إلى المتحف البريطاني ووضع قطعة من الحجر مرسوم عليها رجل وهو يدفع عربة تسوق، مظهراً الحجر وكأنه مأخوذ من أحد كهوف الإنسان القديم.

يذكر أنّ صالة مزادات "فاين آرت أوكشنز" الأميركية، باعت الأسبوع الماضي جداريّة له تحمل اسم "قبلة بين رجلي شرطة"، بمبلغ وصل إلى 575 ألف دولار، حيث سبق لهذا لعمل بالذات أن ظهر للمرة الأولى على جدار مبنى في مدينة "برايتون" (إنكلترا) عام 2005.

ولجأ "بانكسي" إلى وضع رقم هاتف قرب بعض رسوماته الأخيرة، بحيث يمكن لمشاهد عمله الاتصال به ليستمع إلى تسجيل صوتي لرجل يتحدث عن اللوحة، لكن لا يعرف إن كان المتحدث هو "بانكسي" نفسه أم لا. ما نعرفه على وجه الدقة هو أنّ "بانكسي" سبق له أن قال مرّة: "بعضهم يحاول أن يجعل العالم مكاناً أفضل، أما أنا فأحاول أن أجعل منه مكاناً أجمل، إن لم يعجبك رسمي، يمكنك محوه".

                                                                                                                                                                                                           23  فبراير 2014

حركة "بركات" في مثلث برمودا الجزائري

 
 
 
 
لا خلاص قريبا للاشتباك الأزلي بين السياسي والمثقف. وإنْ نَحَتِ الأمور في سنوات الديكتاتورية المتصلة لعقود في عالمنا العربي إلى جهة غلبة تسلّط السياسي، وتغوّل التثاقف السلطوي.
وعلى الرغم من أننا نلمس، مع شيء من التجريد والابتعاد عن المظلومية القمعية لمثقفي المعارضات المحلية، مطامح ومطامع المثقف والسياسي، كل منهما في الآخر؛ لكنّ الحال يتبدّل اليوم ليكسر نمطيّة الصورة التي أريد لها أن تستوطن مخيال مواطننا المقيم، والتي تطوّب لمثقفه "ثوروية" ناجزة بالضرورة مقابل "رجعية" سلطته، وإن كانت تحتل - في عين ذاتها - أعلى عليين "التقدمية"، أو ترفع من شأن أي سلطة، وإن عتت وعتهت، مادامت "تناضل" ضمن موروث ثقافي "طاهر" بعينه، تعينها قوتها الغاشمة على تغليبه و"تقذير" ما سواه.

المناسبة التي تفتح صفحة جديدة في هذا السجال القديم - الحديث، اليوم، هي إعلان الكاتب والصحافي الجزائري مصطفى بن فوضيل* وعدد آخر من مواطنيه المثقفين تأسيس حركة سياسية تحت مسمى "بركات" (جمع بركة وتعني كفى باللهجة الدارجة). ليس لـ"مكافحة" آفة إصرار ترشيح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة نفسه لولاية رابعة، وهو شبح مريض على أبواب الثمانين فحسب؛ وإنما لـ"التأسيس للجمهورية الثانية التي تكون فيها السيادة للشعب والدستور".

ما يحسب لفوضيل وصحبه أنهم يحاولون تدارك ما وقع فيه، ربما الجيران الأقربون والأبعدون من مبدأ شخصنة الحراك برأس هرم السلطة كمُشكلٍ، ومعيار نجاحٍ، يمنح التحرك نشوته بمجرد التخلص من الاسم الذي اخْتُصر فيه "النظام" في مقولة إرادة الشعب الشهيرة.
يقول المثقف الجزائري إنّ "بركات" تؤمن بأنّ المسألة "أعمق من ترشح بوتفليقة أو من عدمه.. وأنّه حتى إن قال لن أخوض الرئاسيات، فلا يوجد مشروع جاهز لدى المعارضة للوصول بالجزائر إلى بر الأمان، نظراً إلى هشاشة الوضع السياسي وصراع الزعامات التي تعيشه كل الأحزاب في السنوات الأخيرة".
وهو أمر حتّم منطقياً على "بركات" عدم الخضوع لـ"أيديولوجيا" أو انتماء دون غيره، لتصل الحركة سريعاً إلى ما استغرق غيرها زمناً لإدراكه، وهو أن الفعل الثقافي/السياسي يجب أن تكون "المواطنة" لبّه، وزبدة مادته الأصيلة. وعليه فلا مندوحة من أن ننفق الوقت حيث يجب إنفاقه في "الهيكلة وتحديد الأهداف". انتقالاً بالعمل إلى "اللحظة التي يجب التحول فيها من التعبير العاطفي إلى تعبيرٍ أكثر فعالية، اللحظة التي نقول فيها (بركات) أي كفى".

ويلفت فوضيل الانتباه هنا بهدوء بالغ ـ لا حماسي و لا ديماغوجي ـ إلى قاعدة أساسية منسية في ممارسة "النضال" المحلي هذه الأيام، وهي أنّ "إعادة خلق طقوس وثقافة نضالية ليس أمراً سهلاً"، خاصة ونحن نتحدث عن الوضع الجزائري ـ وتصلح المقاربة في سواه ـ الذي عانى من مخلفات الإرهاب النفسية، ومن عملية تحطيم وتصفية النخب، وهو ما أفقد الجمع لفترة "القدرة على المقاومة".
وحبذا لو كان كلّ "المقاومين" المكرسين يلتفتون إلى طروحات من هذا القبيل، بدل المكابرة والتبجح بأنّ كلّ هذه العواصف التغييرية في الثقافة التي سادت دهراً؛ هي إمّا نتاج طبيعي لمسيرتهم الفكرية المظفّرة، عندما تناسبهم سياسياً في مصر وليبيا وأحياناً البحرين، أو "مؤامرة" ـ سياسية ـ ثعبانية، عندما تخالف بعض منطلقاتهم "النظرية" التي يبنون عليها فهمهم القاصر للمقاومة، كما في سوريا. المثلُ الذي تسير به ركبان "الصمود والتصدي" اليوم.
يقول فوضيل في نسق موازٍ تعليقاً على "لعبة الأمم" هذه التي تلهو بها بعض الفئات أحياناً "فعلاً، تعشيت ليلة أمس مع رئيس الموساد في مثلث برمودا كي لا يسمع أحد حديثنا حول التخطيط للهجوم على مكتب الجنرال والإطاحة بالرئيس".

لم يكن مطلوباً من صدام حسين في يوم من الأيام ـ إلى جانب الانسحاب من الكويت ـ كتابة رواية باسم "زينب"، أو اعتقال أحد ليكتبها له. وأدونيس لم تفرض عليه المخابرات، وهو في معمعة ليلة "نوبل"، مراسلة "السيد" الرئيس بدل مخاطبة "الرعية" الشعب. ولم يستعجل القرّاء إصدار معمّر القذافي "القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء" فهم بالكاد كانوا قد فكوا طلاسم منشوره البكر "الكتاب الأخضر". ولا ندري إن كان ما زال من المبكّر تناول "إنصاف" المرزوقي في معادلته بين الثقافي والسياسي، شطري كينونته اليوم، أو مراجعة غليون في "برهانه" على أنّه أدار "المجلس الوطني" المعارِض و"مركز دراسات الشرق المعاصر" في جامعة السوربون بالكفاءة والمستوى ذاته. لكن أن تصل المناكفة السياسية مع المثقف حداً تجبر الأخير على استلال حججه من التقارير الطبية وبرامج "الصحة الإنجابية" لإثبات تهافت ذرائع الطرف المقابل سياسياً؛ فهذا ما لم يسبقنا إليه أحد. 

إذ لا يجد بن فوضيل مهرباً له من الدخول في تشخيص الحالة السريرية الصحية للنظام ـ لا الاستراتيجية ولا الجيوبوليتيكة ـ لأنّ ما يحول دون ثلّة من الزعماء المزمنين والاستمرار في الحكم "ليس فقط انسداد الأفق السياسي والمسؤولية الأخلاقية"؛ وإنما العامل "البيولوجي" المتمثل بتقدمهم في العمر، وأمراض شيخوختهم ـ غير الفكرية ـ التي تحول فيزيائياً بينهم وبين أدائهم لمسؤولياتهم، حتى بالحجم الذي قضوا حياتهم كلها يفصلّوه لأنفسهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مقابلة أجرتها معه صحيفة "الجزائر نيوز" الأسبوع الماضي.


                                                                                                                21 مارس 2014