2010-08-08

الانترنت السوري (على الهويّة), القافلة تنبح و(الاتصالات) تسير!!

زفّ المدير العام لمؤسسة الاتصالات السورية مؤخرا لمواطنيه نبأ عن مشروع تأمين خطوط انترنت بالحزمة العريضة ADSL في البلاد, واعدا السوريين بتوفير 33 ألفا من تلك البوابات, وذلك على مرأى ومسمع من السفير الصيني في دمشق الذي ستتولى شركة من بلاده تنفيذ ذلك العقد الفريد الذي طال انتظاره.

وفي السياق ذاته تعلن وزارة التقانة عن توقيعها مع سلطة الاتصالات القبرصية اتفاقا موازيا لإقامة كبل بحري بين البلدين قادر على مواكبة الطلب المحلي المتنامي للنفاذ إلى شبكة الانترنت العالمية, وليكون –الكبل الجديد- رديفا لكبل قديم ممتد بين البلدين منذ أواخر القرن الماضي يربط بين طرطوس ومنتاسخينس كان معدا أصلا للاتصالات الهاتفية.

هذا, إضافة إلى اتفاقية أخرى بين مؤسستي الاتصالات –بين سورية وقبرص كذلك- لتحسين سرعة الانترنت السوري مرتين ونصف -وصولا في مرحلة لاحقة إلى 10 أضعاف!- عما هو عليه الحال راهنا, بكلفة إجمالية يتوقع لها ان تبلغ عدة ملايين من الدولارات.

ناهيك عن مشاريع ثنائية مماثلة قيد الدراسة مع مصر, والأردن, وتركيا, وإيران, تضاف إليها العروض المحلية من هواتف الجيل الثالث القادرة على تصفح الشبكة العنكبوتية الدولية بسرعات تصل حتى 3.5 جيغابايت-ثا, والسعي المعلن لوزارة الداخلية أيضا وأيضا لتركيب بوابتها الالكترونية الخاصة في إطار أتمتمة السجل المدني السوري, وغيرها الكثير من الأنباء التي يستشف المراقب منها عزما حكوميا على تحسين خدمة الانترنت في البلد, والتي دأب محللون من ذوي الاختصاص على وصف وضعها بالكارثي, مقارنة بالبلدان المجاورة, من حيث اتسامها بعدم الاستقرار, والبطء, وارتفاع سعر خدماتها, جنبا إلى جنب مع تواضع الخبرات المهنية المشرفة على تسيير أمورها, وحل مشاكلها.

لكن الذي يلفت النظر حقا إلى حد يثير العجب, بل الاستفزاز, ضمن هذه المعمعة (الإعلانية) الوردية؛ هو ذلك التخبط الاداري المستفحل, وتضارب المصالح الفاقع بين الأيادي (والأقدام أحيانا) التي تتقاذف هذا القطاع, والذي غالبا ما تسبغ عليه أدبياتنا الخطابية المناسباتية صفة (المستقبلي) و(الحيوي) و(الاستراتيجي).

ففي الوقت الذي تحاول مؤسسة الاتصالات فيه إقناعنا عبر عشاءات العمل وصبحيات التصريحات, وماراثون الاتفاقات والامضاءات الذي تخوضه إقليميا ودوليا, بأنها حسمت أمرها تجاه النهوض بالبنية التحيتة البائسة لخدمة الانترنت في البلد, نجد أطرافا وجهات أخرى في الحكومة السورية وسلطاتها ومراكز قرارها, وكأنها تعمل على المقلب الآخر (بالمعنى العامـّي للمقلب) وفق أجندة خاصة ومستقلة, تناقض إلى مدى بعيد وعلى أكثر من صعيد كلام النهار الإخباري.
وإلا فما هو تبرير العودة مؤخرا إلى ذلك التشدد المفاجئ في التعاطي مع مقاهي الانترنت المحلية, والذي وصل حد تعليق رخص بعضها وإغلاقها في قلب العاصمة دمشق, والتضييق على رواد تلك المقاهي من خلال إلزام أصحاب (الكافيات) الطلب إلى زبائنهم كلما أرادوا الولوج إلى الشبكة الدولية إبراز هوياتهم أو جوازات سفرهم, وإتباع ذلك بتسجيل الأسماء, والأرقام, والمعلومات الشخصية الأخرى, وحفظها في جداول خاصة لإبرازها (عند الطلب)؟!.

في إجراء يبدو وكأن الهدف من وراءه هو الإصرار على مجرد وضع مزيد من الحواجز المادية والنفسية بين المواطن السوري وبين ثمار هذه "الثورة المعلوماتية" -على حد تعبير مدير الاتصالات ذاته- التي يرفل فيها باقي سكان الأرض من غير السوريين, أو أولئك السوريون خارج حدود هذه الأرض!
ففي حين توضع الخطط والاستراتيجيات, وتصرف الأموال والاستثمارات لتوطين التكنولوجيا المتقدمة, وتعريف الناس في أقاصي الريف السوري بالانترنت –حيث لا ماء أحيانا ولا كهرباء- عبر الحافلات والباصات المصممة خصيصا لهذا الغرض, نجد بين ظهرانينا من يسعى جاهدا إلى الإمعان في تغريب السوريين عن أداة بالغة الأهمية والخطورة –باعتراف الخطاب الرسمي الحديث- في تطوير حاضرهم, واستشراف مستقبلهم.

فهل يعقل أن تنصب الحواجز المادية والافتراضية اليوم فيوجه مواطنينا, وان تكون الانترنت في بلادنا (على الهوية)؟

وكأن على السوري الذي يفكر في سبر غور هذا الفضاء المعرفي الممتد, أن يشعر قبل أن تلمس أصابعه لوحة مفاتيح الحاسب أمامه بشعور من يلج أرضا أجنبية, أو يتخطى حدودا محرمة, أو يوشك على تهريب ممنوع من بلد آخر, وهو في وطنه, وبين أهله؟!

بل إن من المؤسف حقا أن المؤسسة العامة للاتصالات تتبنى بالفعل لا بالمجاز مفردة "التهريب" حرفيا, ولا تخجل من إطلاقها على الاتصالات التي قد يجريها شخص ما مع قريب أو صديق أو بعيد, عبر الانترنت, رغم ان أعدادا متزايدة من بلدان العالم باتت اليوم تعتبر هذا النوع من "التهريـبـ-ـصالات" جزء لا يتجزأ من تقنيات التواصل المعاصرة, في حين تركن مؤسستنا المحترمة إلى شن حملات شعواء في طول البلاد وعرضها لمداهمة مقاهي الانترنت, وإغلاق العشرات منها على هذه الخلفية.

محملة المواطن العادي جريرة ترهل تشريعاتها المتخلفة, وتراخي كادرها الإداري عن اقتراح بدائل ومخارج قانونية مدروسة, ترد المليارات الخمسة المزعومة –قيمة المكالمات "المهربة"- وتردع الارتجالات غير المنضبطة, والتي تفتح أمام "لمهربين" الحقيقيين من بعض موظفي المؤسسة نفسها أبوابا في الفساد والرشوة والسرقة الموصوفة, من نمط ذلك المهندس الذي ألقي القبض عليه في الحسكة أوائل العام الحالي بجريمة ابتزاز أصحاب مقاهي الانترنت في منطقته, والطلب إليهم دفع رشاوى بلغت عشرات الآلاف من الليرات, مستخدما سيارة دائرته في (مهماته الرسمية), ومستغلا منصبه في لجنة مخالفات ورخص مقاهي الانترنت في المحافظة.

هذا إن لم نجاوز ذلك الموظف وسرقاته إلى ما هو أعظم شأنا وخطرا مما كان يوما مانشيتات صحفية عريضة لم تجد حتى الجرائد الرسمية بدا من نشره والتعريض به.

وتشترط الإدارة التجارية في المؤسسة العامة للاتصالات السورية على من يرغب في الحصول على (رخصة استثمار مقهى انترنت) الحصول على موافقة وزارة الداخلية، كما أن البندين الرابع والسادس يلزمان موفر الخدمة توفير المعلومات الخاصة بالمتصفحين للسلطات المختصة، تحت طائلة سحب الترخيص ممن يرفض ذلك.

فأين هذه الإجراءات (الرادعة) من تلك الندوات والمحاضرات والمقابلات التي يراق فيها كل ذلك الحبر واللعاب والأموال, في سبيل تمجيد (المعلوماتية), و(خلق مكتبة للدراسات والبحوث على الانترنت), و(إنشاء محركات بحث عربية), و(توسيع قاعدة المحتوى العربي على الشبكة), و...و... وغيرها من التوصيات والأهداف التي تحاول لاهثة اللحاق بنسب النمو الهائلة في استخدام الانترنت التي عرفها القطر منذ العام 2000 والتي تتجاوز الـ(3000%) -ثلاثة آلاف بالمائة-؛ بالرغم من الإحصاءات الدولية في مجال استخدام االشبكة الدولية واستثمارها لاتزال حتى عام على الأقل تضع بلادنا في درجات متدنية جدا من سلم بياناتها عن دول المنطقة من حيث نسب التفاعل مع شبكة الانترنت, والتي يظهر أنها لا تتجاوز لدينا هامش الـ(5%) من إجمالي التعداد العام للسكان, لتستقر سوريا في المرتبة ما قبل الأخيرة, متقدمة دون فخر على العراق, والذي يشهد عمليا احتلالا أجنبيا, وشبه حرب أهليةّ!

وعندما تبدأ مؤسسة الاتصالات بحديثها (الطربي) عن (المال العام) و(القانون), لا يجد المرء بدا من تذكير المؤسسة العتيدة بأحد تعميماتها المطوبة والذي سبق لها أن وزعته على مزودي خدمة الانترنت المحليين برفع سعر الاشتراك في الـ(IP) الذي يتيح امتلاكه استخدام الصوت والصورة في اتصال الانترنت والماسنجر وسواه, من 200 ليرة سورية إلى 4000, أي بزيادة عشرين ضعفا, الأمر الذي هبط بعدد المشتركين في حينه إلى 4.5% فقط مما كان عليه قبل التعميم المذكور, رغم أن النسبة النهائية لحصة الانترنت جملة من أرباح المؤسسة (50 مليار ليرة سورية العام الماضي) لا تتعدى 3%.

علاوة على أن حظر التعامل بنظام (IP) في سورية, واحتكاره من قبل مؤسسة الاتصالات لتمنحه لاحقا للمشتركين فقط؛ هو بحد ذاته إجراء غير قانوني بحسب المواثيق والبروتوكولات الدولية الناظمة لهذا القطاع, إذ أن المؤسسة بإصرارها على هذا الإجراء تحرم باقي مستخدمي الانترنت السوريين من (هويتهم الالكترونية المباشرة) أثناء تواصلهم مع العالم الخارجي, وخاصة في مجال التعاملات الرسمية والمالية, ناهيك عن أن مؤسسة الاتصالات إياها تحصل على هذه الـ(IPـيات) مجانا, على اعتبار أن المصدر الذي يمنحها (RIPE) هو بحد ذاته مؤسسة دولية وإقليمية غير ربحية, في حين تعمد المؤسسة إلى بيعه بنسب ربح باهظة كما هو واضح!

الأمر الذي يعيد إلى الأذهان بعض التفاصيل الحميمة من الحقبة (التاريخية) التي دخلت فيها خدمة الهاتف المحمول إلى البلد, وما واكبها من شعوذات تسعيرية مثيرة للسخرية بقدر ما هي مثيرة للألم.

على أن المرء لا يمكن له أن يتجاهل بحال الحديث عن أن سوريا ظلت ترزح بشكل متقطع -مباشرة أو مواربة- تحت حصار تكنولوجي أعمى من قبل خصومها السياسيين الدوليين, كضغط إضافي يندرج في جملة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية الممارسة ضدها, الأمر الذي حرمها كدولة من نيل (حقها) الطبيعي في الحصول على تكنولوجيا المعلومات, وحد في المحصلة من مساحة المناورة التقنية التي تتمتع بها بلدان أخرى في الإقليم وخارجه, وبرر بين السطور (الرسمية) جانبا من واقع الخدمة السيئ عموما.

غير أن الإقرار ومن ثم التنديد بذلك (الحصار المعلوماتي) الجائر وفق شكوى عمرو سالم وزير الاتصالات والتقانة السابق وفداحة تأثيره محليا, لا يبرر مطلقا تلك الردة الداخلية التي انتهجتها مؤسسة الاتصالات –كأداة تنفيذية غالب الأحيان- ضد المحتوى الالكتروني السوري على الشبكة, والتي بدت كجلد للذات, وانتقام منها, متمظهرة بتعميمات فرض الرقابة المسبقة على هذا المنشور الالكتروني, وقرارات الحجب الفعلية على المخدمات المحلية, ومحاصرة مقاهي الانترنت بالشروط والزواجر, والتلكؤ في توفير المتاح من التقنيات الحديثة الميسرة للخدمة.

فقد اتخذت سياسة حجب المواقع الالكترونية من قبل الحكومة السورية منحى تصاعديا منذ أواخر العام الماضي، فشهد مستخدمو الانترنت داخل سوريا حجب العديد من المواقع السورية والعربية والعالمية, من سياسية, واجتماعية، وثقافية, يستوي فيها التدويني الشخصي بالإباحي بالخدمي بالإخباري.

وفي مقدمتها مواقع دولية شهيرة تلقى إقبالا واسعا, خاصة ضمن شرائح الشباب, وعلى رأسها مواقع (فيس بوك)، و(يوتيوب) و(بلوج سبوت)، و(ويكيبيديا),و(أمازون), وغيرها, ليتجاوز عدد هذه المواقع وفق إحصاءات أحد المراكز السورية المختصة حوالي 170 موقعا الكترونيا.
ناهيك عن التحضيرات الموازية الجارية على (قلم) وساق في وزارة الإعلام السورية لإصدار طبعة جديدة من قانون المطبوعات والنشر تأخذ في (عين الاعتبار) تقنين الشهية المفتوحة للسوريين للتعبير الكترونيا!

وبعد كل هذا وذاك كيف, وفي أي منطق أو عرف يستقيم أن تخطط مؤسسة الاتصالات لصرف ما يزيد عن نصف مليار ليرة من أموال دافعي الضرائب السوريين لتحسين سرعة التجول على الانترنت,في وقت تتمادى فيه المؤسسة ذاتها في سياسة حجب المواقع, وتجريم الاتصال عبر الانترنت باستخدام برامج مثل سكايب وغيره, ومصادرة كاميرات الويب, وفكفكة أجهزة الانترنت اللاسلكي و(الوايرلس) من المقاهي؟!
ماذا بقي للسوريين من الفضاء السايبيري والانترنت كي (يتبهنكوا) به, و يجربوا فيه تلك السرعات (الفلكية) -قياسا إلى الموجود اليوم, سيرياتل 1264 ك.ب-ثا, مؤسسة الاتصالات 872 ك.ب-ثا, آية 424 ك.ب-ثا) والتي ستتكرم بها عليهم مؤسسة الاتصالات؟

إذ أن الأمر لو قيض له أن يجري على هذا المنوال في ظل هذه الشيزوفرينيا الإدارية –فيما لو تمّ أصلا- سيكون أشبه بتخصيص حلبة دولية لـ(الفورميلا وان) لسباق (طرطيرات) محلي!
أم أن القيمين على ما بقي من هذا القطاع في البلد يقيسون أنفسهم بالمسطرة الصينية, على اعتبار أن شركة (هاو..هاو..ي) التي أبرم العقد معها تنتمي لذلك البلد, وبالتالي فهم ينظرون ابعد إلى التجربة الصينية مع الانترنت, والتي أثارت سجالا عالميا لم ينقطع, بعد أن تمكنت سلطات بكين من (تنخيخ) وإجبار شركتي (غوغل) و(سيسكو) وهما من كبريات شركات قطاع الانترنت والبرمجة في العالم على تقديم خدماتهما للمليار ونصف رفيق صيني, وفق النسخة (الحمراء) الرسمية من حرية التعبير والنفاذ للمعلومات.

ليست هناك تعليقات: