2010-08-08

كلام حريم شاهد على العصر، زبد إعلامي سوري من "الجزيرة" إلى "الجزيرة"

استفاق عدد من السوريين مؤخرا وأيقظوا معهم كثيرين إثر إعادة اكتشافهم لجزيرتين حديثتين قديمتين على الخارطة المحلية لمشاغل الناس وتطنيشاتهم هنا.
وبين "الجزيرة" القطرية وأحمد منصور المتطاول على "شعبنا"، و"الجزيرة" السورية في "كلام حريم" حيث "شعبنا" هذه المرة هو المتطاول على "شعبنا" الآخر، لغط لم يفلح وهو يحاول أن يرتقي دون جدوى ليصبح نقاشا موضوعيا سوى في إثارة بعض الأسئلة المرّة التي لا تكاد تخبو استفهاماتها بعد مناسبة ما، حتى تطفو في مناسبة أخرى، ما أيضا.


"الجزيرة" - 1
مقالات وأقاويل، ردود منضبطة وشتائم، طالت برنامج أحمد منصور "شاهد على العصر"، بعد أن نعت الأخير السوريين بأنهم من السهل "الضحك عليهم"، وقال إنهم "باسوا جزمة" جمال عبد الناصر في يوم من الأيام، وذلك في معرض استضافته "عبد الكريم النحلاوي" أحد منظمي الانقلاب السوريين على الوحدة مع مصر القرن الماضي.

وسرعان ما انبرى –حرفيا- كثير من الإعلاميين وغيرهم للتشنيع على المعدّ المصري "الإخونجي"، والذود عما قالوا أنه "كرامة الشعب السوري العظيم" ضد الافتراءات المنسوبة إليه، كما بادر السيد وزير الإعلام بدوره إلى الاحتجاج رسميا لوزير الثقافة القطري -على اعتبار أن الدوحة ألغت وزراة الإعلام منذ زمن- ضد هذا الافتئات المستهجن من قبل الإعلامي "غير المهني"، وهذا بالطبع حق الوزير وحق كل من شعر بالإهانة من تصريحات "منصور".

الملاحظة هي أن السيد الوزير ذاته كان قد كال منذ أسابيع فقط الشتائم المقذعة لأحد الصحفيين السوريين على مرأى ومسمع و"قرطاسية" و"كيبوردات" و"ميكروفونات" مئات من أرباب وربائب الإعلام السوري، الأمر الذي بالكاد استوقف "كرامة" أحد يومها.

ناهيك عما روجت له فيما مضى صحيفة "الوطن" السورية شبه الرسمية من ترهات بحق كتاب سوريين، متهمة إياهم بالاسم ودون أدنى دليل بمناصرة وجهة النظر الإسرائيلية إبان عدوان الاحتلال على غزة، ولا "كرامة" ولا يحزنون.

ليرتأي من كتب من الصحفيين والإعلاميين السوريين -حتى الآن أقله- أن مذيع "الجزيرة" هو وحده "الطفيلي"، و"الوقح"، و"الديماغوجي الباهت"، و"صاحب الوجه المشؤوم كبرامجه وكتاباته الإعلامية"، إلى آخر قائمة الأسماء غير الحسنى التي تخطى فجأة بفضلها المحتوى العربي على الانترنت عتبة 3% الهزيلة.

كما أن "رذالة منصور" وحدها هي من ذكر وسيلة الإعلام المحلية إياها المنفردة بـ"الاستقلال" الصحفي حديثا منذ أكثر من "40 عاما" بشيء يدعى "ميثاق الشرف الإعلامي"، دون غيرها من الرذالات المحلية التي تتناقل الأخبار "زنخها" كل يوم لتغرسه في أنف القائمين على من يسير في ركاب ذلك الإعلام مطبوعا والكترونيا، بدون أن يهز ذلك شعرة واحدة من "الشرف" المزعوم.

وكل ذلك على الرغم من الوجود الفيزيائي "السوري" في ذات الاستوديو "الجزراوي" الذي سجلت بين جدرانه تلك "الإهانات"، حيث بالكاد حمّل أحد ذلك السوري جريرة عدم "الرد" و"تصحيح" الهرطقات التي نالت من "العظمة" السورية، في حين أن مغزى وجود السيد "النحلاوي" في ذلك المكان أصلا لم يكن لشيء آخر سوى الحديث عن "تصحيحاته" الانقلابية الفذة ضد نظام عبد الناصر الدكتاتوري في حينه.

وبالطبع، وكما هو متوقع منهم تجاهل السادة الإعلاميون الذائدون عن حياض الحصافة المهنية في مقابلة "الجزيرة" مع "النحلاوي" والتي امتدت لأسابيع وأسابيع كل الشؤون السورية الخطيرة التي دار الحديث عنها، ولم تخرج من حناجرهم المفتوحة اليوم عن آخر محرر فيها كلمة واحدة بالسلب أو بالإيجاب عما دار في تلك الحلقات، ليتلقفوا بأظافرهم فحسب تلك الثواني التي تلفظ بها "منصور" بتجديفاته "الغبية" تلك.

وهذا لا يتنافى برأي أصحاب الحملة مع كون القناة "الملعونة" سابقا وحاليا المصدر "المبارك" والأساس لكثير من البروباغاندا المدروسة و"الشعبية"، والتي يناط بها منذ زمن مهمة الذود إعلاميا عن "كرامة" هذه الأمة و"مناضليها"، مع أن شبابا سوريين لم يخجلوا من التصريح بأنهم لم يسمعوا بفضيحة "منصور" تلك، مفضلين متابعة دزينة "الجزر" الأخرى الأوسع انتشارا في أرخبيل "الجزيرة" الأم، والتي ليست سوى قنوات الرياضة المشفرة والمفتوحة.


"الجزيرة" - 2
بدورها أثارت "الجزيرة" الأخرى شمال شرق البلاد عبر الفيلم السوري "كلام حريم" لمخرجه سامر برقاوي ومعده عدنان العودة حفيظة بعضهم الآخر بسبب ما قيل إنه "سخرية" مبيتة، و"تشويه" متعمد لسمعة السوريين في تلك البقعة المتروكة لقدرها من حاضرنا المحلي.

ولا يدري المرء حقا ماذا يريد قوله أولئك الناقمون على الفيلم بالجملة، فيما عدا ربما تكرار تلك التبجحات الفارغة عن تحسن وضع المرأة "المتسامي" في كل أنحاء البلاد، متعامين عن كوارثها الأرضية اليومية، وهي أمية، تفلح، وتبذر، وتحصد، وتغسل، وتجمع الحطب، وتطبخ، وتنجب، وتدفن مواليدها قبل أن تسميهم حتى اليوم.

من دون أن يسأل أولئك أنفسهم فيما إن كانت شخوص عمر أميرلاي وسعد الله ونوس في فيلمها المفجع "وقائع يومية في حياة قرية سورية" -قبل الحريم وكلامهم- منذ 40 عاما؛ مجرد كومبارس مدرب مدفوع الأجر، أم أناسا مستوردين من مجاهل إفريقيا والقرى المعدمة جنوب الهند؟
ألم يسمع صانعوا الفيلم في ذلك الحين ذات "الموشح السياحي" الركيك عن "طيبة" أهل المنطقة، و"جمالهم"، و"حضارتهم"؟

وكأن رصد ما حاق بأولئك الناس من فاقة وبؤس يتناقض وتلك الأوصاف، على العكس مما تقتضيه البداهة السليمة من أن توثيق ما أصاب ويصيب تلك الجغرافية المنسية من البلاد خليق به أن يفتح العين العمشاء مطلبيا وتنمويا، في سبيل تحسين أوضاع تلك المناطق، بدل الإنشاء المرير، والعصبويات المجعجعة التي لا تضع ذرة طحين واحدة في أكف أناس أطعموا ويطعمون البلد خبزه كفاف يومه منذ دهر، وهم اليوم جياع فارون بكرامتهم من القحط حتى غور الأردن بحثا عن عمل يقيهم السؤال.

وإن كان بعضهم يحيط الانتقادات الموجهة للفيلم –والتي لا ترقى لأي نقد سينمائي حقيقي بطبيعة الحال- بـ"حرمة" خاصة لمجرد أن القائلين بها جاؤوا من تلك المنطقة وهم وحدهم من "يفهمون"ـها، فكيف يستقيم ذلك وكون معد الفيلم نفسه من أهل تلك الديار وشعابها؟
لا بل إن "الحريم" المصور كان أمه وأخواته وخالاته وعماته هو بالذات!
ألا يكفي ذلك وحده كي تتهافت تلك الدعوات العصبوية الفارغة على نفسها، والتي تحيل بسذاجة إلى عنصرية موهومة، لنعود إلى السؤال الأساس: هل أولئك الناس موجودون حقا في "زور شمر" بأوضاعهم المؤسية تلك في ساعته وتاريخه، أم أنهم من اختلاق "الغرفة المظلمة" –الكاميرا- في رأس السيناريست والمخرج؟

حين لا تعجبنا الإضاءة وكوادر التصوير والموسيقا المرافقة في الفيلم فهذا أمر يمكن بالطبع النقاش فيه إلى الأبد، لكن أن ننكر سوداوية الواقع وامتداداته القاحلة ونعيب الغربان على جذوع الأشجار اليابسة في المشهد الحي فهو لأمر جدير بالرثاء حقا، ولا يصب إلا في المصلحة المشبوهة لمن سعوا إلى منع عرض الفيلم سابقا بذات الذريعة والحجة تقريبا.


"الجزيرة" - 3
سيكون أمرا مثيرا للاهتمام ولابد - بين "جزيرة" منصور، و"جزيرة" برقاوي وعودة- أن يسأل أحد ما شخصيات فيلم "كلام حريم" عن حلقات برنامج "شاهد على العصر"، وفيما إن شعر أحد منهم أو منهن بالإهانة مما ورد فيها. غالبا قد نفاجئ بأن السؤال نفسه سيكون هو مصدر الإهانة، فمن أين لأولئك الناس بالذات بكهرباء، ناهيك عن تلفزيون، و"جزيرة" منكوبة أخرى؟

لابأس حقا في متابعة ونقد ما يجري على تلك الجزر من حولنا. والغضب من تلك "الجزيرة" والنقمة عليها، أوالغضب لتلك "الجزيرة" والانتقام لها تكفلهما حرية التعبير والرأي و"هيئات المجتمع المدني" –بحسب (الوطن)- بدون أدنى شك.

بيد أن الأحكام "الغوغائية" والتعميم "الأعمى" فيما أتى به أحمد منصور وسامر برقاوي من جزيرتيهما إن صح وصفها بذلك؛ لا تكاد تفوقها "شناعة" سوى المواقف المقابلة التي تسبغ "العظمة" و"الرفاهية" السرمدية المجانية على جميع السوريين بـ"عصبويات" و"فزعات" لا يدري المرء أيضحك منها أم يبكي. فيما أصحابها في النهاية يطمرون رؤوسهم في رمل "جزيرتهم" الإعلامية المعزولة الخاصة.

ليست هناك تعليقات: